حراس الذاكرة الفلسطينية

كانت جدتي بطلة ذكرياتها دون منازع. في الوقت الذي كنت أشعر فيه أن حياتي لم تعد شيئًا لذيذًا سهلاً علي أن أعيشه بهدوء، وجدتني أتصل بها وأسألها المزيد من التفاصيل.

علا صوتي في أحيان كثيرة لأنه لم يكن بإستطاعتي الكتمان أكثر، ولم أكن أعلم أبدًا أن فتاة صغيرة في مثل سني لا يمكن أن تحمل الإجابات على تساؤلاتها المعقدة، حتى كبرت… وفهمت وحدي.

كنت أسير في كل مرة عبر الطرقات الموجودة في حكايات جدتي. رمتنا الأرض خارج أرضها وفي صيدا صرنا لاجئين، كانت عائلتي موجودة في مخيم له شكل غير مألوف في بادىء الأمر. وعندما كنت أبتعد عن الدار كنت أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته، لتصبح أصابع الذين أحبهم لا تقشر البرتقال. الأرض حيث كل بقعة تحمل في داخلها قبرًا للملايين من الناس الذين قتلوا أو هجروا تاركين خلفهم الكثير من رائحة الدمار الخانقة. غابت جذورهم تحت التراب لكنها لم تختفي إلى الأبد. الرصاص صار ذكرياتنا اليومية، نيران المخيمات لم تزل تحترق. وهذا التاريخ كنا نتعلمه، فهل كان من السهل حقًا أن ننزل من فوق الحائط؟

لكني وجدت روحي في تلك الأماكن التي لم أستطع شم روائحها قط، والليل لا يجد فيها النهار. استمعت إلى الصلوات التي تقام حتى هذه الساعة هناك. ومن ثم سرت لمدة سبعون عامًا بإتجاه الشمال، حيث عكا والكثير من البشر البسطاء. شاركتهم خبزهم في وجبات الطعام، جلست على أرضية المساجد حيث الغرباء المحترمون. رأيت امرأة شابة ليس لديها طريقة أو وسيلة لتذهب إلى أي مكان، بلا تعليم ولا تسلية ولا حتى مكان تعيش فيه، ومع ذلك لم تفقد الشعور بالأمان للحظة واحدة.

تمتمت باسم الله عن الذي لا أعرفه حول هذه الأرض وهذا الشعب. كل شيء كان عظيمًا، لكني لماذا منذ وهلة بكيث!

أردت حقًا العودة إلى بلدي، ولكن في نفس الوقت كنت أعرف أنه لا يمكنني الذهاب إلى هناك. لأنه لا يوجد مكان لي.  يومًا بعد يوم، صرت أستمع إلى الأخبار، وأتابع ما يحدث بعيدًا في داخلها هناك، فيتحطم قلبي أكثر، لأن الأخبار كانت تحبطني كالعادة.  كان قلبي ينبض لشعبي، ولكني لم أعرف ما الذي يجب أن أفعله.

حتى تعلمت بمرارة أن هجرتنا لم تكن النهاية، وأن اللجوء لم يعني يومًا انشقاقنا عن تاريخنا وأهلنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية الفلسطينية الأصيلة.

أيقنت أن للوطن واجب وحق علينا، وأن لدينا أمانة يجب أن نؤديها من خلال أبنائنا. أدركت أن بيوتنا وأزقتنا وشوارعنا الفلسطينية التي تركناها خلفنا، لم تعني لنا يومًا اليأس، وفقدان الأمل. وأن صوت زغاريط النسوة المختلط بصوت الرصاص، ما بين الرعب والصراخ، يولد فرح ما بطريقته الخاصة.

بل وفهمت أن ما يحدث هنا لابد أن يصل صداه هناك حتى تكون العودة إلى فلسطيننا وفي يدنا ما يعمرها ويفيدها.

وبعد أن مات الكبار ولم ينسى الصغار وهم يعيشون داخل فلسطين في مخيمات الجوار، تسائلت كيف لشبابنا الجديد أن ينسى بلدهم المحتل وهم يستيقظون كل صباح على رائحة الزيت والزعتر وتوارث العادات الفلسطينية بما فيها من عادات وتقاليد ولباس ولهجة، وهي تذكر بفلسطين وتاريخها النضالي.

نحن لهذه الأرض كنا ولهذه الأرض مازلنا وإنا إليها لراجعون.

وكما يفعل العاشق برسائل حبيبته القديمة، يشمها ويقبلها ومهما مر الوقت لا ينسى شكل الأحرف عندما ارتعشت شفتاه اثر قرائتها.

هكذا نقول بأننا فلسطينيون.

 

عالقون داخل الرقم 48

 

أقطع هذا الطريق الطويل إليك وحدي بالأحرف الكبيرة والشكل البذيء لجدران حينا الفقير .

أنا لا أثق بالهدوء الذي أعيشه مطلقًا، أسمع بحة صوتي على الورق وتزدحم الأمور السيئة التي تقضم أطراف أصابعي.

صار يشبه وجهي كل شيء يمر أمام الباب.

ما الذي يحدث تحت السرير؟

كلها أشياء لا يمكنني العثور على إجابات شافية لها، ولا يمكن لمرة أن تكون الأولى مرتين.

أخاف من نفسي ومن الآخرين وهم يعبرون منشغلين بأشيائهم، ولا تبدو عليهم أي علامات غير مألوفة.

أخاف من القدرة العجيبة على الاعتياد، كما لو أن الحياة الآن كما هي بصورتها الطبيعية والناس يعيشونها دون أن يتغير شيء، التعايش مع أكثر الأحداث قسوة.

كأنني أشاهد فيلمًا صامتًا لا يحمل الألوان وكل الليل المتأخر انقلب فجأة إلى ظهيرة.

من أين خرج ذلك الصوت كله؟

حسنًا، لا أدري كيف سأتذكر هذه الأيام في المستقبل؟

في الصف الطويل أنا المغتربة التي تقف أمامك الآن أول الصف، امرأة لا تتذكر سببًا واحدًا لوجودها هنا وانتظارها ليشرح لها أحدهم كيف أصبحت فجأة لاجئة كل هذه المدة ولا تجرؤ على القفز منذ سنوات إلى الجهة الأخرى.

كيف يمكنني التخلص من سؤالي البسيط حين أراه متعبًا؟

 

أنا منشغلة الآن بمراقبتك عبر التلفاز، يعقدون حولك مؤتمرًا صحافيًا ويعلنون فيه انتصارك بينما تربكني حولك أسئلة الصحافيين الفضوليين.

أشعر أنك تخاطبني في كل ما تقول أو تتعمد أن تسمعني كلامك.

روحي تجوب أزقتك وأحلامي جميعها أكبر مني، بينما يغلق باب الدار خلفي، يتملكني ذلك الشعور القديم بالخوف.

لقد منحت لقلبي وطنًا، ما كنت لأتمكن من كتابة هذه السطور بدون حبك، لكني متعبة وأسير ببطء، خلفك تمامًا!

أقف على عتبة الدهشة طويلاً وأستيقظ محمله بكل الأحلام السريعة والعاجلة مرة أخرى.

أحاول أن أتحسس طريقي بحذر وأتحدث مع رأسي عن الحياة الجميلة في الخارج، أحاول جمع نفس طويل، لكنه يتقطع.

صارت الأشياء تحرك نفسها  من أمامي، إنني وأنا فيك أقف أيضًا أمام الباب محاولة الدخول إليك، لي أطرافًا لا تحتمل ثقلي ولم يأتي أحد ليأخذ بيدي من أي مكان .

أعتقد أني انتهيت.

هل يمكنني البكاء؟

 

 

 

الذهاب إلى عين الحلوة

حاجز عابس.. بل أكثر من واحد، يقف أمامي الآن، يعيق حركتي، يصعب طريقي والوقت قد توقف في جهات أربع تطوق بقعة ضوء لا أسماء حقيقية لها، لا ملامح واضحة عليها، ولا حدود لذلك الوطن سوى جدار اسمنتي يصل السماء وتقوم أساساته على الأرواح المعذبة في تلك الزاوية المعتمة من العالم الضخم.

هل تراها مثلما تفعل عيني؟ بكل خرابها.. دمارها.. بؤسها.. وحزن الأفكار التي تكبر معها، حلوة!

الجميع هناك يصنع كل صباح وجه واحد، ستعتاد عليه بعد المرة الأولى لك، ثم ستصبح أول من يشعر بالغرابة إن تبدلت الملامح.

الكل له وجه واحد ” أنا لست جيدًا في الحياة”.

أما عني، كنت هناك وأعرف منذ أشهري الستة في الحياة أنني لست منهم. أني سلسلة من الفضوليين التي تستمر بالسؤال وفقط عن حل لجميع أوضاع اللاجئين هناك، هنا، وفي كل مكان مخبىء من أطراف المدن الكبيرة.

وعرفت بالمثل أن الدخول إلى عين الحلوة لا يشبه رحلة الخروج منها.

عين الحلوة.. وما أدراك ما عين الحلوة؟ أتمنى لو بإمكاننا أن نكون غريبين مجددًا!

لم أمكث طويلًا، كانت زيارات سريعة، لطالما أثار ذلك المكان اهتمامي، أحببت رائحة الوطن التي لم تنفذ مع “طول الزيارة”.

دفعتني الأشياء المبعثرة، المشاهد الغير طبيعية والتي تمارس بشكل علني وروتيني أن أحفظها في داخلي، وكأنها جزئي المفضل من الحياة.

الجزء الذي كبر معي ويشاركني حياتي الخاصة منذ فترة طويلة.

علمت لاحقًا أنه قوتي، أو سببًا لها.

ترى، هل أحببت الواقع حقًا؟ هل كنت أراه بصورته الطبيعية؟ أم أن حبي للكلمات دفعني لإستخدامها في الأماكن الغير مناسبة لوصف وضع غير محتمل؟

لماذا يبدو كل شيء يسري كما لو أنه جزءًا من دائرة متقنة بينما لا شيء منطقي؟ لا شيء يحدث دون ألم!

ومع هذا لم أكن لأجد أبدًا من يصرخ طالبًا النجدة.

ربما أن الأدمغة هناك لا تملك قابلية الوصول إلى العالم، أو أنهم في موعد مع فكرة ما وليس مع آخرين مثلي.

لحظة واحدة..

أنا أيضًا أواعد أفكارًا أخرى، لكني أريد فكرتهم..

إذن، هل يبدو الأمر مثيرًا للإهتمام؟

لا أدري، ممكن.. والله أعلم.

لا معنى لهذا كله، لأنه قد يعني الآن أي شي.

إلى عينيكِ يا حلوة

مخيم عين الحلوة من سطح دار جدتي.

إلى التي زرعت وطنًا في مخيم مهترىء..أحبكِ!

 

ليال كثيرة قد مضت، غابت الشمس أكثر من مرة، نام الجميع تسع مرات، عددتها! ولم يكن بإستطاعتي بعد أن أستجمع قواي وأراسلك..

اللعنة يا تاتا!

انقسم المخيم..

وها هو الجدار يرتفع شيئًا فشيئًا حتى يستيقظ النيام ذات صباح ويدركوا أن ضوء السماء ما عاد يصل أسقف الزينكو البسيطة تلك – كانت يومًا تحميكم من الغرق-، لقد حجبوا عنكم الحياة!

ولا تسأليني، لو كنت أدرك من هم حقًا لأخبرتك، لكني والله لا أعلم..

صدقيني هذه المرة فقط.

كانت قد وصلتني الأخبار حول وعكتك الصحية الأخيرة، وكنت قد طلبت أن أسمع أنفاسك البطيئة، لكن الأجهزة التي أعادتك للحياة فصلت بيننا هذه المرة، في تلك اللحظة لم أغضب، كنت يقينة من أنك ستعوضيني عنها آلاف المرات فيما بعد.

الأخبار السيئة تلاحقني من كل مكان مع نهاية العام، ولتعرفي الآن أنني أخشى عليكِ منها.

أرى أن المخيم ما عاد قويًا، ما الذي يحل بشعب الخيام؟

ولأنني أحببت المخيم بعدد السنون التي أخبرتني فيها، عن اللحظات الكثيرة التي استغرقتها لتنقلي وطنًا بأكمله في خيمة واحدة، أطلب منكِ ألا تفلتي يدي الآن.

الأمور لا تبدو على ما يرام، وأنا لا أريد أن يمحى كل شيء دفعة واحدة.

ماذا لو أخذتني أقدامي إلى هناك مجددًا؟

كنا قد اتفقنا أن حكاويكِ من ستدلني للتعرف على أماكن الأشياء..

ما الذي تبقى لنا الآن؟

حواجز من الجهات الأربع

وجدار

هذا كل شي!

-هاتي يدك-.

هم الوجع.. وحلم العودة من جديد!

أطفال عين الحلوة

مساحة ذابت ملامحها وتلاشت، تغيرت تماماً منذ أن زاد عدد ساكنيها إلى ثلاثة أضعاف.

بيوت فوق بعضها البعض، طوابق مكدسة عمرت فوق بنية لا تحمل من الضمير شيئاً ولا من وجعهم أشياء.

قد تسقط يوم تمل، دون سابق انذار، وبلا إشارات سماوية هذه المرة.

لا أحد يعلم متى، لكنهم يعلمون جيداً أنه ليس باليوم البعيد.

***

في مخيم عين الحلوة، وهو أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، تقام زفة العريس في شوارع متعرجة، لها ايقاعها الخاص ومن الفرحة الكثير من النصيب.

شهدت على روائح الأحزاب والطائفية والوجع الفلسطيني الموحد بالدماء وحلم العودة. في سطح المنازل، كل المنازل، أقيمت حفلات الخطوبة والزواج وزينت الأجواء أغاني على خطى فارس كرم ولكن بطابع ديني امتاز به أهل المخيم في كل المناسبات.

***

تلعن خالتي جارتنا التي تسرع في تشغيل (الشفاط) لسحب المياه فور عودة الكهرباء بالسلامة بعد غياب قد يدوم ساعات أو أياماً في معظم الأحيان..

أحياناً لا ينال الجميع من تلك المياه نصيبهم، نعود مجدداً إلى نقطة البنية التحتية، فهناك الكثير من البيوت التي عمرت بمساحة أنابيب مياه أعمق مما يجب أو أكثر ارتفاعاً من أن تكتفي من الماء الفائض كجارتنا، تجدها هي وأصحاب النصيب ينفضون بيوتاً بأكملها، ثم يصرخون “خلص الخزان، تكو الآزان! ”

***

في الشارع ترى مزيج من البراءة والرجولة.. بائع الخروب يمتلك بيتاً من ثلاثة طوابق – تقول جدتي أنه ينال حصته من الحزب الذي ينتمي إليه- فالخروب كما تعلمون؟، ما بيعمر بيت!

طفل آخر، ترك الدراسة باكراً، فارس الذي كان أصغر إخوته وأكثرهم تمرداً على الواقع المر الذي يحيط به كيفما تحرك.

ورث مهنة والده في صبغ البيوت، رسم لنفسه مستقبلاً، وورشة وعمال..وعروس! عروس لا تشبه من حوله من بنات المخيم، طبع تفاصيلها في رأسه، جسم هيفاء، شعر إليسا، دلع نانسي وذكاء نجوى كرم..

ارتطم في نهاية مخيلاته تلك بالحقيقة أن من أمامه لا يشبهن إلا الوجع وحلم العودة من جديد!

***

على فتحات الزواريب، أطفالاً بعمر الزهور، أضحوا باعة فجأة بصرخة من الوالدة حفظها الله لهم أو كسل من الوالد أطال الله بعمره ليعيشوه!

تجد في أحضانهم ما لذ وطاب، ترمس مع الحامض، فول مع الكمون، عنبر شي أخضر وشي أحمر، عرنوس ذرة مشوي أو مسلوق على كيف كيفك، وأرطال من بذر البطيخ الأحمر والأصفر!

طفولتهم عبارة عن أصوات عالية، ينادون بها للمارة كي يقتربوا، كي لا يعودوا محملين، فيحملوا فوق عاتقهم هم صراخ الأم وهم ضرب الأب وهم الغد.. هم الوجع وحلم العودة من جديد!

***

الفتيات هناك، قلما تجد من تكمل تعليمها، حيث تشرب الفتاة جرعات من اليأس عندما تفطم من ثدي أمها وهي ابنة العامين..

تلقن منذ الصغر درساً أن “ظل راجل ولا ظل حيطة” وتضرب حد الذي يزرق فيها جسدها إن فكرت أن تحظى بغير الذي اختاره الأهل لها..

تجدها محترفة كثيراً في شرب القهوة التركية بسكر إضافي، وإن سألت عن السبب فستسمع إجابة موحده “الحياة مرة..كمان القهوة نشربها مرة! ”

كل فتيات المخيم عملن في صالونات التجميل، ثم باعة لملابس الحريم.. كلهن كدوا كثيراً لأجل الحصول على عريس لقطة وهن في ربيعهن العشرين.. بعد أن فسخن خطوبتهن لثلاثة مرات فأكثر! ما أجمل سقف أحلامهن.. وما أقل حظوظهن..

***

“تبنتت” مصطلح سمعته مؤخراً من والدتي، يطلق على الفتاة التي فاق عمرها الخمسين ولم تتزوج بعد، لا أعلم من أين جاءت التسمية، لكنتي سألتها كثيراً

“وما المسمى الذي يطلق على الذكر في هذه الحالة؟” لم تجيبني أمي.. لأدرك أن المخيم مشبع بالفروق بين المتبنته والذكر.. وموحد بهم الوجع..وحلم العودة من جديد!

عند الإشتياق لا تكفيك الخطوط المدفوعة.. في مخيم لا تسمع به الأصوات جيداً

أن تكون أختي التي لم أحظى بمخالطتها إلا لعامين..

عامين من عمر بأكمله يعيش فيه جسدي بلا هوية، نصفي هنا والآخر مني هناك..حيث تكمن هي!

أذكر  يومنا الأخير بأرض وطنٍ لا يشبه من ملامحنا شيء، في بقعة تلتقي فيها كل الوجوه التي لا يشبه أحدها الآخر

ودعتها.. وفي يدها لعبة لعروسة من شواطىء هاواي الأمريكية..

رجفت شفتها العليا، حبست الدمع في عيني..ليبكي قلبي ليلتها

بكى قلبي كثيراً لأنني رحلت قبلها في إجازة لم أحسبها أنها ستطول، لأتصل بها، فيأبى أن يكون وداعنا الأخير عبر هاتف عتيق أسلاكه مكشوفة في مخيم لا تسمع به الأصوات جيداً

كل الأصوات في المخيم مكسورة، كصوتي وصوتها وسماعة الهاتف المهترئة

بكينا حتى احتضنتنا الكلمات، طبطبت على رأسي وهي تناديني.. 

لم أحدثها كثيراً، فعند الإشتياق لا تكفيك الخطوط المدفوعة

عند الإشتياق، لا تتحدث بتكنولوجيا تطلب منك مالاً مقابل كل ثانية، بل اتجه إلى أتعس الطرق لكي تحكي على الملأ معنى أن تكون لك أختاً.. تشبهك حد الذي يصدم المارة من حولك.. في النصف الآخر من العالم

سبع سنوات وأكثر، تتبادلا القبل والأحضان عبر زيارة الأم والأخت وهدايا متناقلة بين الطرفين

يحدث أن تلتقي العالم كله في ليلة.. وتمضي عمرك بحثاً عن وجه يشبهك

وجه أحببته لأنك رأيت ذاتك به

لأنك تريد أن ترى ذاتك به ليبقى فتات ثقتك بنفسك حياً

ما الذي فعلته الغربة بنا يا لمياء؟

حدثيني أنت عن المكان الذي لا يشبهك..

عن آخرون سرقوك مني وحرموني..لحظة أبكي فيها على كتفيك فتبكي معي حتى أهدأ

حدثيني عن عالم هاوي في تشتيتنا أكثر، في تغريبنا، نحن اللتان حرمة احدانا وطنها والأخرى حرمها الوطن من حبه

كيف لنا أن نلتقي بعد أن طول شعري كثيراً وكان قد حلف ذات مساء أن لا يطول إلا بعد أن تأتي لتصفيفه بيديك

كيف لنا أن نلتقي، وأصواتنا في ذلك الهاتف..فقدت الكثير من التفاصيل، حتى لا تبكي إحدانا،  فتعجز الأخرى عن احتضانها..

سعادة التي سميت بغير حالها

من الجميل أحياناً أن يخرج المرء عن تلك القوقعة التي ولد فيها، أن يوسع حدوده أو ينجرف حد تكسير تلك الحواجز التي قيل عنها يوماً “خطاً أحمراً”، كما العادات والتقاليد في البقع العربية..

هكذا كانت ترى سعادة نفسها، وربما لأن كل ممنوع مرغوب، لم ترى في كل الممنوع حراماً بل كانت تجده شيئاً من حق نفسها طالما أنها رغبت به يوماً ما.

وقبل أن تكمل عامها الثامن عشر، فقد عذريتها.. في ذلك المخيم الذي كان يرى في شعر الفتاة اجراماً، وفي صوت خلخالها ضياعاً لسمعة العائلة بأكملها.

فقدتها، ولأنها ولدت في عائلة لا تجرؤ على سماع صرخات ألمها، قرروا أن يستروا عليها بآخر تربى على أنه لم ينال من نساء المخيم إلا واحدة ناقصة!

فكانت سعادة، بنواقصها المجتمعية والدينية، فتاة كاملة في عيناه، تزوجها حتى أنجب منها ابناً وثلاثة فتيات، وخيانة لم يرتب لها مهدئاً أو مبرراً..

خانته في ليلة وضحاها، بعقد زواج شرعي، وهروب على مرأى الجميع، وتزوجت من ابن أخيه الذي فقد زوجته في مخاضها وفقد معها طفله الذي انتظره كثيراً حتى يحقق كل شيء في “الحلال”.

لعلها أغرته، أو أنه فعلاً أحبها، لا أحد يعلم تفاصيل هذه الرواية بدقة لأن سعادة لم تكن تعطي الجميع ما يريدون سماعه، كانت ذكية في ترك الكثير من التفاصيل مغيبة، وفي سرد الحقائق الناقصة، حتى لا يقال عنها شريفة وحتى لا تنعت يوماً بالعاهرة..قررت أن تمت وترحل عن الدنيا بلا مسميات أو ألقاب.

تزوجت بابن عم زوجها، وهربت، لم تفعل عائلتها شيئاً أيضاً، كان والدها متوفي، ولعل هذا السبب هو الذي دفعها لفعل الكثير دون أن تبالي لشرف العائلة كما كانوا يصفون الأمر، وبعد زيجتها الثانية، توفيت والدتها ولا أحد يعلم ما كان في قلبها من موقف سعادة.

ولعل سعادة، لم تعطي الرب حقه في كل مغامراته تلك، وكانت أبعد منه عما كانت تعتقد، تركها تعبث كثيراً طيلة مراحل حياتها، وقبل أن تشيخ، علمها بأن حرق قلوب الأبناء هو تماماً كحرق قلب العاقر عندما ينتفخ بطنها بحمل أسموه “كاذباً”.

مرضت بالسرطان، نسيت الجميع من حولها، أخبرتهم أنها تريد أن ترى الصغرى فيهم.. اهدتها بعد معاناة سلسلة من الذهب الخفيف، اسمتها فرح، وتركت فيها كل ملامحها، كل تحدياتها، واصرارها على أن في المخيم داخل البقعة الصغيرة جداً كان يوجد انسانة، اخطأت كثيراً ولم تمت برصاص حي، ولا باستئصال جذري وتبري، لأن أهلها عرفوا الله جيداً وتركوا له حرية العقاب.

رحلت، واورثت بناتها الثلاثة، سمعة جيداً جداً، كلما سمع أحدهم اسما لاحداهن صرخ ” بنت امها”، حتى نقلت الصغيرة بعضاً من تلك المغامرات، تطلقت مرة، لتتزوج من زوج أختها.. وترحل تاركة خلفها رسالة لأبيها لا يعلم مافيها أحد، ولا يعلم ما الذي دفعها لذلك، أهددها الشاب، أم أنها قررت أن تهدد حياتها بيدها قبل أن تصبح عصفورة في قبض سجانِ ما!

 

شيخ الشباب الذي مات قبل أن يهدي جميله وردتها!

 

نسمع كثيراً أن هناك العديد من البقع حول العالم التي يغلب فيها الدين على العادات، وهناك من تغلب العادات فيها على الدين، حتى أنه وصل الأمر إلى إلصاق بعض الأحكام بالديانات وهي لا تمت لها بصلة في الأساس.

الحل بالتعليم الصحيح، هكذا كنت أردد دوماً في نقاشاتي حول تلك البقع، التعليم الصحيح هو الشيء الوحيد والورثة الحقيقية التي بالفعل بإمكان أياً كان أن يهبها إلى أبناءه وأحفاده وأن موت شامخاً لما خلفه من وراءه.

ولكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، مع قلة الإمكانيات وصعوبة الحياة المعيشية وتوفر الفرص يصبح بالكاد من الممكن أن يمارس الشخص أحياناً حقوقه بالكتابة وقراءة الكلمات بتقطع!

بالطبع نعلم جميعاً مدى ثقافة الشعب الفلسطيني، ولكن ليس في المخيمات!

تلك التي للأسف تنفصل كثيراً عن الدين في عدد من الزوايا، وتلتصق كثيراً بالعادات والتقاليد المتوارثة، لتصبح في ليلة وضحاها منبر للتحليل والتحريم!

شيخ الشباب هو جارنا السبعيني، كان يهتم بمظهره كثيراً، يجلس على حافة الطريق والعكاز بين يديه وهو يدندن دوماً لكل نساء الحي المارات من أمامه “الورد جميل..جميل الورد”

كان شقي، حتى في كبره! ومع تلك الشقاوة وعجزه عن الحركة منفرداً لم تشفع له خبرته في الحياة أبداً أن يدرك بأن الصاق التهم هو أصعب من الوقوع بها!

تنقل كثيراً بين بيوت أبناءه الثلاثة الذين يتجاورون في الحي، وكل منهم  يعادي الآخر بسبب الزوجات وأحياناً كثيرة..بسبب “نقل الحكي..وتكتير البهارات”

حتى قبلت حنان تلك الرقيقة أن تعتني به، في ذلك الوقت تحديداً دخل زوجها السجن بسبب سرقة وقع بها، دون حاجته!

مكث في السجن قرابة العشر سنوات، كانت فيهما حنان الأم لحماها، ولأبنائها الأربعة..ولنساء الحي!

افتتحت بقالة في منزلها لكي تسترزق منها بينما تربي ابنتها الصغيرة ويتمكن ابنها البكر من ترك الدراسة وايجاد عمل، للأسف لم يعتقها شيخ الشباب -حماها- من ظنونه السيئة!

حتى أنه نشر عنها الكثير من القصص وهو بالكاد يتذكر اسمه لكل من هب ودب في تلك الأرض، ومع كل زبون من الذكورة، يعلو صوته أحياناً بالدعوات عليها وأحياناً بالسباب وأخرى كان يصرخ كثيراً..حتى تدخله وتغلق باب البقالة التي هي في الأساس “باب منزلها” وتبكي بحرقة دون أن يسمع أنينها أحد.

بحثت عن عمل آخر، كي لا تتحول إلى سبب أيضاً في عركلة مستقبل أبنائها، يكفيهم مافعله والدهم، ويكفيها ما سمعته من اتهامات لن تشفع لها سنوات عمرها الناضجة أن تتجاهلها أبداً.

عملت أخيراً في احدى الحضانات، كمنظفة ومسؤولة عن الشاي والقهوة، وإلى جوارها كانت ابنتها الصغيرة ترافقها في كل صباح، حتى مضت السنوات وعاد الأب!

عاد بشعاً في أخلاقه، وأنفاسه، أكثر مما كان عليه.. عمل في بيع الخضراوات هذه المرة، تلك المهنة التي بإمكان أي عاطل عن العمل في المخيمات الفلسطينية بلبنان أن يمتهنها دون الحاجة إلى استخراج شهادة!

لكن القدر لم يشاء أبداً أن يترك حنان تسعد برؤية أبنائها يكبرون في حياة كريمة أبداً، وكأن القدر يغضب كثيراً إن قال له أحدهم “هناك فلسطيني مرتاح” يغضب بطريقة يرمي بها كل من يستحق ولا يستحق بمطبات قد ينتهي بها الأمر إلى انتحار الكثيرين!

التقى زوج حنان بفتاة  في سوق الخضراوات، يا اله من مكان غريب، حين تتحول روائح الصباح التي تمتزج بين العرق والدخان إلى موعد ليلي فزواج، فصمت الجميع لأنه ببساطة..رجل!

تزوج بالفعل، لم يقدر أبداً كافة تضحياتها، ولم يعبىء بحديث أحدهم، لأنه رجل ولأنه في دين المخيمات التي يتوراثها الجميع، بإمكان الرجال أن يخطئوا ليتعلموا، بإمكانهم أن يكذبوا حتى يصدقوا، وأن يشتموا حتى يربوا الآخرين، أن يخونوا زوجاتهم ليتمتعوا، وأن يتزوجوا على تلك التي ضحت لهم عمراً حتى يطبقوا الشرع “مثنى وثلاث ورباع”!

مات شيخ الشباب قبل أن يشهد خروج ابنه وزواجه، مات وفي يديه تلك الوردة التي كان يضعها في جيب قميصه تارة أو يدسها بيه أصابعه تارة أخرى..

مات وهو لم يعي أبداً من هي “جميلة الورود” التي انتظر على ذلك المقعد كثيراً يبحث عنها بين وجوه نساء المخيم، لم يعطها الوردة التي ذبلت بين يداه، ولا حتى دندنة من صوته الفلسطيني الذي يبعث بأمل قد يخيل أحياناً أنه انتهى الأمل منذ عام 1948!

مات.. وبقى مقعده فارغاً

استطاع حتى بعد موته أن يربك حنان بفكرة فتح بقالة من جديد، وأن يصفق لإبنه من زيجته الثانية رغم أنه رحل قبل تهنئته بها.. وتمكن أن يرفع رأسه كثيراً لأنه أورث من خلفه علماً بدين المخيم وعاداته المحرمة.

لماذا الحلوة وليس غيرها؟

كل المخيمات الفلسطينية حول العالم تضم لي قريباً واحداً على الأقل، لا تسألوني كيف فنحن الفلسطينيون نتقارب بالأرض وليس بالدم فقط!

لكن الحلوة، تبقى على رأس القائمة دوماً، ليس لأنها أكبرهم أو أكثرهم جمالاًَ.. بل لأنها تضم رائحة عائلتي الأولى تلك التي نزحت ذات صباح من صفد واستقرت بين الشتات والتشرد في تلك البقعة التي لا تتعدى مساحتها كيلو متر مربع واحد!

ولأن سكانه قرروا أن يتحاملوا على الواقع المرير، أن يكتظوا ويتكاثروا حتى وصلوا إلى 80 ألف نسمة، قررت أن أمنح نازحي عام 1948 من قرى الجليل في شمال فلسطين القليل من حقهم الذي رضوا بأقله في ثمانية مدارس وعيادتان للأونروا ومستشفيين صغيرين للعمليات البسيطة فقط!

ومايزيد الواقع المر مرارة، أن تجد رغم التطور الذي وصلنا له، تراجعاً أخلاقياً وانسانياً حيال ساكنوا المخيمات، وكأن مكانهم ليس على هذه الأرض، وكأنهم لا يستحقوا أبداً أن يكونوا عليها في الأساس!

وجدت الكثير ممن يرى في دخول المخيم “بطولة” ترفع لأجلها زغاريط الكلمات التي تتنوع في دهشتها بين التصفيق بحرارة أو الصراخ بأعلى نبرة، خوفاً وخشيةً من “الوحوش” الذين يقبعون هناك خلف الحواجز التي زادت تعقيداً ووجعاً لكرامتهم!

قد يستغرب المارين من هنا، أن في ذلك المخيم الذي يحيط به من كل زاوية حاجز لبناني، والذي قد يشهد أصواتاً لطلقات نارية أو اشتباكات داخلية “بين الأخوة” يوجد أيضاً من بين أولئك أصحاب “اللحى والذقون” والمظهر الفلسطيني ذا التجاعيد المتفرقة من يعتصر قلبه ألماً على صوت نواء لقطة ضالة جائعة.

في تلك البقعة التي تشكل خطراً على الصحافة والمارين من حولها “حسب ما أفاد البعض” يوجد كرم أهل فلسطين، رائحة المارمية التي ستشمها في كل “الزواريب” وضحكات الأطفال التي إن استطعت تمييزها ستتشكل على اثرها خارطة فلسطين.

سترى في الأم الفلسطينية، وطن، وفي أبنائها، قرى متلاصقة لا تفرق بينها إلا بالمظهر لا بالتفاصيل.

الهم واحد هناك، حق العودة.. لا أحد يرغب أن يستقر في بيوت مكتظة ومتراصة جداً حد الذي يجعلك وبكل بساطة تسمع بكاء أم أحمد ليلاً لأن زوجها أهملها في سبيل دردشة فيسبوكية!

وقد ترى من المتطرفين دينياً وأخلاقياً بعدد شعيرات رأسك وأكثر، لكن الخير هو الذي يعم، ولأنك صاحب خير.. فسيطال الله لك من هم مثلك ليستقبلوك كما استقبلت قضيتهم يوماً في ضميرك!

ستدرك على الفور، أن المراحل العمرية التي يعيشها أبناء الكوكب اللعين هذا، لا يعترف بها في “الحلوة” الابن الذي يولد بكراً هو أباً وسنداً منذ يومه الأول، والفتاة التي تولد بكراً هي أماً وسنداً منذ يومها الأول.

الكل هناك يدفع الثمن كثيراً، وصعوبة الوصول إلى تعليم عال ونظيف يصعب المسألة قليلاً في التفريق بين العادات والتقاليد والأحكام الدينية.

قد تجد من يعارض طريقك إن كانت بجانبك “امرأة مفرعة” وقد تجد من ينصحك أن “تستر عليها” أو في بعض الأحيان، يتقدم لخطبتها!

كل شيء متداخل، وكل الأشياء تحدث هناك سريعاً بلا تفكير في الغد، لأن رب اليوم والغد هو واحد!

تماماً، هذه الفكرة التي كانت تسندهم منذ نزوحهم الأول “يومين وبنرجع”.. وصار اليومين سنين كتير ونحن ناطرين لنرجع، ومرجعناش ياحلوة!

 

فتش عن إنسانيتك

” تعا ع المخيم لتشوف إنسانيتك”

أحياناً كثيرة يلعب المكان كما الزمان دوراً كبيراً وجديداً في بروز إنسانيتنا.

قد نقبل ما لم نتخيله، وقد نرفض ما كنا يوماً مستعدين لتخيل أنفسنا به، كل شيء قد يتبدل في اللحظة التي تستيقظ فيها الإنسانية في داخل كل إنسان منا.

لكن عين الحلوة، تلك البقعة التي تحيطها من كل الجهات معاناة لا يستطيع المرء أن يتخيلها أبداً، تستطيع بكل بساطة أن تحدد مدى عمق إنسانيتك من خارج أسوارها.. من ذلك الحاجز الذي يحد عن يمينه وشماله صفاً من السيارات التي تنتظر نهارها تحت حرارة الشمس وعطل المكيفات لتتمكن من الوصول إلى نقطة الرجل العسكري، “هويتك إزا بتريد”.. عبارة يحفظها أهل المخيم أكثر من حفظهم لأسماء أبنائهم أو أسمائهم الشخصية إن أردنا الوصف بإنصاف!

عبارة، لا يستطيع أن تمضي يومك إلا بسماعها، ربما يكون ذلك للعالم نقطة  ايجابية لصالح الحكومة اللبنانية لكنها في أرض الواقع، ماهي إلا عقبة على شعب “تعتر جوى وبرى”.

تخيل أن تمنع من دخول باب بيتك بلا إذن مسبق من جيرانك مثلاً، الأمر مقزز بالفعل!

صحيح، أن المخيم يحمل الكثير من التفاصيل المنهكة والسلبيات التي شوهت من جمال شعبه حد تفككه بين الأحزاب، إلا أنه يجتمع في نهاية الأمر تحت الهم الفلسطيني، هم العودة، وهم الكرامة التي فقدتها عائلاتنا في الداخل.

لا عمل للفلسطيني، ولا تمليك له.. بالرغم من أنه يريد العودة لأرضه، لا حتى جوازات سفر تساعده على التنقل بحرية أكبر.

كلها سياسات، وكلها في مصلحة الشعب الفلسطيني تفرقت!

حتى أصبح الموت أسهل مايكون لديهم، تمرض فتدخل المستشفى فتعجز عن الدفع ثم تتمدد على السرير حيث أصوات المارة تثير فضولك للتنصت، وتدفن حيث أنت، لا فاتورة تم دفعها ولا ورقة دفن تمكن ذويك من استخراجها.

لا إكرام للإنسان الفلسطيني ميتاً كان أم حياً داخل مخيم عين الحلوة، السبب قد تعرفه من قطة مارة أو كلب شارد ضال، قد تسمعه من الباعة في الشارع الفوقاني بسوق الخضار، أو من احدى الفتيات اللواتي تركن الدراسة مبكراً للإلتحاق بدورة تصفيف شعر لمساعدة أهلها.

قد ترى الاجابة من غير أن تنطق سؤالك، بين أعين الفتاة الشقراء التي قد لا يتجاوز فرق العمر بينها وبين أمها بضعة سنوات، أو برائحة العرق من جارك الذي ندم لاحقاً على “خلفته” التي لم تأتي إليه إلا بأوتار صوتية جبارة من زوجته كل صباح.

كل شيء مكشوف هناك، كل شيء واضح لا يحتاج إلى بحث كي تستخرج منه ماتريد، حتى أسلاك الكهرباء.. أينما مشيت ستجدها فوقك، حتى في “الزواريب” والأزقة الضيقة جداً، ستجد لك إجابة لكل سؤال سيخطر في بالك، لأن بحثك عن إجابة لن يتطلب منك إلا تأمل كل ما حولك ومن حولك.

في تلك البقعة، التي اشترت للفلسطينيين ببضع أوراق وتوقيعات، وتركت لهم ليدفعوا ثمنها بأنفسهم إلى اليوم..

ستتمكن أن تتعرف على حجم انسانيتك.. وتستسلم في نهاية الأمر للعجز الذي سيلحق بك!